مـــوعبد العزيز لاي فرصة ليصبح الإنسان أفضل وأجمل وأرقى
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم بــكــل حــب وإحــتــرام وشــوق
نــســتــقــبــلك ونــفــرش طــريــقــك بــالــورد
ونــعــطــر حــبــر الــكــلــمــات بــالــمــســك والــعــنــبــر
ونــنــتــظــر الإبــداع مــع نــســمــات الــلــيــل وســكــونــه
لــتــصــل هــمــســات قــلــمــك إلــى قــلــوبــنــا وعــقــولــنــا
نــنــتــظــر بــوح قــلــمــك
تحيـــاتي
، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل.

خواطر رائعة في الحج

اذهب الى الأسفل

خواطر رائعة في الحج

مُساهمة من طرف abdel في 2010-05-13, 13:00

حول الكعبة

للإمام الشهيد "حسن البنا"


﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج:26).

هناك قواعد أساسية تقوم عليها الإنسانية الصالحة منها: المساواة، والأخوة، ومقاومة الشر، وحب السلامة، والخير، وحسن الصلة بالله العلي الكبير.


ولقد جاء الإسلام الحنيف ينادي بهذه القواعد ويقررها فرائض من فرائضه، وأهدافًا توصل إليها كل تعاليمه، وينطق بها القرآن الكريم. وتظهر جلية في أحاديث النبي العظيم- صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وكل تصرفاته.
ولكن التقرير النظري لا يكفي وحده حتى تقوم الأعمال التطبيقية والرموز الحسية بتجسيم هذه المعنويات وتدعيمها في النفوس والأفئدة والأرواح، ولهذه المهمة الجلية شرع الله، على المستطيعين من شرع الله الحج وفرضه على المستطيعين من عباده قال: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
هذا الإحرام، الذي يتجرد فيه كل حاج من ثيبه جميعًا ويرتدي ثوبين اثنين بسطين كل البساطة في شكلهما ولونهما ووضعهم، (إزار ورداء) لا غير، إنما هو إعلان لهذه المساواة بين الناس بزوال شارات التفريق التي تحملها هذه المبس العادية باختلاف قيمتها وأشكالها وألوانها ومظاهرها. وإنك لترى الحجاج قد تجردوا من ثيابهم وأحرموا لله رب العالمين فلا تكاد تميز بين أمير ومأمور وكبير وصغير ورئيس ومرءوس ووجيه ومغمور كل أولئك قد سوى بينهم المظهر الجديد فلا اختلاف ولا تمييز.
هذا الإحرام يحرم على الحاج أن يحلق ..... أو يقص ظفره أو يقطع شعره أو يهيج ... أو يقتل حشرة أو ينال مخلوقًا حتى لو قاتل أبيه لما استطاع أن يمد إليه يا أو .... أليه بانتقام وهذا تدريب عملي يتجسم به ... المسالمة والسلام وتنطبع به النفوس وتنطوي عليه الجوانح والقلوب.
وهذه الكعبة المشرفة التي رفع قواعدها إبراهيم وأعانه في ذلك إسماعيل إنها علم الوحدة الإنسانية والأخوة البشرية، ورمز ارتباط القلوب والنفوس والأرواح ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ تهوي إليها الأفئدة وتطيف بها القلوب تارة والأشخاص تارة أخرى وتستقبلها االوجوه في كل مكان إيذانًا بوحدة الوجهة وتقديرًا لهذه الوجوه والحجر الأسود فيها نقطة التقاء المشاعر الإنسانية والعواطف الإخوانية، فمن صافحه فكأنما يصافح إخوانه من بني الإنسان جميعًا، ومن قبله فكأنما يرسل إليهم على صفحته بإخلاص ومودته ومظهر إخانه ومحبته.
وهذه الجمرات يقف أمام هدفها الحاج متمثلاً أن قوى الشر قد تجسمت في إبليس لعنه الله، وأن الحج الآن قد طهر من الآثام، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، بعد أن سعد بوقفة عرفات، ونزلت عليه من الله الرحمات والفيوضات فعليه أن يكون للرحمن وليًا، وللشيطان عدوًا وأنه ليعرب عن كل هذه المشاعر، ويرمز إلى مدلول هذه الخواطر بهذا العدد من الحصى ويقذف به وجه عدوه اللعين إبليس؛ إرضاءً للرحمن، ورجمًا للشيطان باسم الله والله أكبر.
والحاج في كل هذه المواقف موصول القلب بالله تبارك وتعالى معلق النفس والروح بمغفرته ومئوبته ورضاه ومحبته فإذا أحرم فشعاره: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".


وإذا طاف فعمله دعوات صاعدة إلى السماء، وابتهال وبكاء والتزام ودعاء واستسلام وتقبيل، وأنس برحمة الله الكبير الجليل، اللهم إيمانًا بك؛ وتصديقًا بكتابك ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.
ويقول الذين لا يعلمونك إن هذه الكعبة والحجر من بقية وثنية الجاهلية أقرها الإسلام.
ونقول لهؤلاء: إنما جاء الإسلام ليحطم الوثنية بكل صورها وليقضي على عبادة الأوثان والأصنام، وإن كل موقف من مواقف الحج إنما هو تقدير لهذه الوحدانية وإسلام الوجوه لله وحده الملك العلام، وإنما مثل الكعبة والحجر كمثل هذه الأعلام تنصبها الدول رمزًا لمجدها، وشعارًا لوطنها، فتخفق له القلوب وتهتز لاهتزازه الأفئدة لا لذاته ولكن لما يشير إليه من معنى عظيم وشعور كريم ولذا أراد الله الحكيم العليم أن تكون الكعبة هكذا علمًا مركوزًا على الأرض تتجسم به الوحدة العالمية، ويرمز على هذه الأخوة الإنسانية، واختار الله إبراهيم وهو موضع التقدير والتكريم من أهل الأديان السماوية لإنقاذ هذه الإرادة الربانية فصدع لأمر الله واستجاب لنداء مولاه وسأله بعد ذلك أن يتقبل عمله وأن يبارك له فيما أولاه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:127،128).
ولعلها الحكمة الإلهية أن يقطع الله على هؤلاء المتربعين حبل الجدل وتشقيق الكلام بأن يختار لهذه المهمة محطم الأصنام.
وأن العمل العظيم في مغزاه ليصفر إذا جهل الناس هدفه ومرماه، وكذلك هذا الحج الذي أقام الله به دعائم الصلاح والقوة في الحياة بأنه أصبح عند الكثيرين عبادة آلية عادية يؤدونها وخيرهم من يرجو بها المثوبة والأجر، أما ما وراء ذلك من المنافع المادية والروحية والاجتماعية التي أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾.
فإنهم لا يطلبون فيها التفكير ولا ينظروف إليه نظرة الفاحص الخبير.
فاللهم فقهنا في ديننا وانفعنا بهذا الفقه في دنيانا وآخرتنا، واجعلنا جميعًا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ (الزمر: 18).

--------------------------------



في ظلال الحج
للشهيد / سيد قطب

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج من الآية 26: 29)


فلِلتوحيد أقيم هذا البيت، منذ أول لحظة عرَّف الله مكانه لإبراهيم– عليه السلام- وملَّكَه أمره ليقيمه على هذا الأساس لله وحده دون سواه، وأن يطهره للحجيج، والقائمين فيه للصلاة: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فهؤلاء هم الذين أُنشئ البيت لهم، لا لمن يشركون بالله ويتوجهون بالعبادة إلى سواه.
ثم أمر الله إبراهيم- عليه السلام- إذا فرغ من إقامته على الأساس الذي كُلف به أن يؤذِّن في الناس بالحج، وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام، ووعده أن يُلِبي الناسُ دعوته، فيتقاطرون على البيت من كل فجٍّ، رجالاً يسعون على أقدامهم، وركوبًا (على كل ضامر) جهده السير فضمر من الجهد والجوع: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾.
وما زال وعد الله يتحقق منذ إبراهيم- عليه السلام- إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدة من الناس تهوي إلى البيت الحرام، وترف إلى رؤيته والطواف به.. الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه ووسيلة الركوب المختلفة تنقله، والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه، وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة؛ تلبيةً لدعوة الله التي أذَّن بها إبراهيم- عليه السلام- منذ آلاف الأعوام، ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته:
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج:29).
والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة، والحج موسم ومؤتمر، الحج موسم تجارة وموسم عبادة، والحج مؤتمر واجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون، وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.. أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقًا رائجة، حيث تُجْبى إلى البلد الحرام ثمراتُ كل شيء من أطراف الأرض، ويَقْدِمُ الحجيج من كل فجٍّ ومن كلِّ قُطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرَّق في أرجاء الأرض في شتَّى المواسم يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد، فهو موسم تجارة، ومعرض إنتاج، وسوق عالمية تقام كل عام.
وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر قُربها من الله في بيته الحرام، وهي ترف حول البيت، وتستروح الذكريات التي تحوم عليه، وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد..
طيف إبراهيم الخليل-عليه السلام- وهو يُودِع البيت فلذةَ كبده "إسماعيل" وأمَّه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجِفِ إلى ربه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم:37).
وطيف "هاجر"، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة، وقد أنهكها العطش، وهدها الجهد، وأضناها الإشفاق على الطفل، ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس؛ لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء، وإذا هي (زمزم) ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.
وطيف إبراهيم- عليه السلام- وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد... قال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات:102) فتجيبه الطاعة الراضية في "إسماعيل"-عليه السلام- ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات:102).
وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: ﴿أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.. (الصافات من الآية[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]104)، وطفق "إبراهيم" و"إسماعيل"- عليهما السلام- يرفعان القواعد من البيت في إنابة وخشوع: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:127).
وتظلُّ هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتابع، حتى يلوح طيف "عبدالمطلب"، وهو ينذِر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء، فإذا هو "عبدالله"، وإذا "عبدالمطلب" حريص على الوفاء بالنذر، وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء، وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء، والقداح يخرج في كل مرة على "عبدالله"، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة، فيقبل منه الفداء، فينحر مائةً وينجو "عبدالله"، ينجو ليودِع رحمُ "آمنة" أطهرَ نطفة، وأكرم خلق على الله، محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم يموت، فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير.
ثم تتواكب الأطياف والذكريات، من محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت، وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل، وهو يصلي، وهو يطوف، وهو يخطب، وهو يعتكف، وإن خطواته- عليه الصلاة والسلام- لتنبض حيةً في الخاطر، وتتمثل شاخصةً في الضمير، يكاد الحاجُّ هناك يلمحها وهو مستغرقٌ في تلك الذكريات، وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وترف فوق هذا الثرى حول ذلك البيت تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار.
والحجُّ بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبةً، مؤتمرٌ يجدون فيه أصلَهم العريقَ الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ (الحج:78)، ويجدون محورهم الذي يشدهم جيمعًا إليه، هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعًا ويلتفُّون عليها جميعًا، ويجدون رايتهم التي يلتفون عليها جميعًا، ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان، ويجدون قوتهم التي قد ينسوها حينًا، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدى آية العقيدة والتوحيد.

--------------------------------

الحج وعالمية الإسلام


بقلم الأستاذ/ عمر التلمساني


هذا هو الحج في مفهومه الاجتماعي الواسع النبيل، إيجاز أذهب الفهم من كل أطناب، معالم على مدارج الحج، تنير الطريق وتهذب الخلق، وتزكي النفس وتجمع بين الخيرين؛ خيري الدنيا والآخرة في إطار رائع من السمو والإحاطة والشمول.

الحج أحد الأركان الخمسة التي بُني عليها صرحا الإسلام الشاهق المنيف، هذه الأركان التي إذا ترك أحداها جحودًا ونكرانًا.. فلا إسلام على


الإطلاق، ومن بديع صنعه تبارك وتعالى أنه ما ألزمنا بركن من هذه الأركان، ألا وقد وضح لنا الحكمة العالية من افتراضه، فالبشهادة يتحرر الفرد من رق العبودية لكل شيء في هذا الوجود ﴿يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور:55) لا تخش نوازع النفس، ولا وساوس الشيطان، ولا جبروت الطغاة، لا تخش شيئًا، لأنك لا تشرك به شيئًا.
وبالصلاة تنجو من كل منكر وفحشاء ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت:45)، وبالصيام الحق تتم لك التقوى، فتسمو عن السرار والاستخفاء، لا يطلع على دخليلتك في هذه الفريضة إلى الله، وبهذا وبهذا وحده نتقي الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183) وبالزكاة يطهر كل ما تملك، ويزكيك الله ظاهرًا وباطنًا بالزكاة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾(التوبة:103)
وبالحج يكمل لك الجمع بين حسنات الآخرة ومنافع هذه الحياة ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ (الحج:27-28)
وهكذا نرى أن الله سبحانه يوم أن خلقنا لعبادته، سن لنا من الفرائض ما ينفعنا في أولانا كما يسعدنا في أخرانا سواء بسواء، فنجمع الفضل من أطرافه، راحةً وأمناً ورخاءًا على الأرض ونعيمًا وملكًا لا يبين في جنات النعيم.
بربك أي نعيم يستمتع به الإنسان في دنياه، إذا عاش فترة في حياته لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل، أليست هذه هي الأهداف التي ظن الفلاسفة والحكماء أنهم يريدون تحقيقها للبشر، فلم يصلوا إليها لأنهم اعتمدوا على عقولهم القاصرة، وفهومهم المحدودة، فلا مجهودًا أبقوا، ولا مأمولاً حققوا، ولو أنهم رجعوا إلى من خلق الخلق فعلم ما ينفعه فدله عليه، وما يضره فنهاه عنه، لوصلوا وأنتجوا.. ولكن (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا).
الحج يذكر فيه اسم الله كثيرًا من الربى والبطاح، وفي نفس الوقت يتحقق فيه من النفع الدنيوي ما لا حده لمداه، فمن حكمة الله عندما خلقنا من ذكر وأنثى، وجعلنا شعوبًا وقبائل أنه فعل ذلك لنتعارف لا لنتخالف، ولنتآلف لا لنتناكر، وهذا هو مؤتمر الحجيج.. الشامي والمغربي، والعراقي والمصري الكل على ميعاد يتم فيه هذا التعارف والتآلف والتكافل مع القصد الحيقيقي من منافع الحج،لا كما نرى اليوم فكل شعب يتحوصل على أفراده الحجاج فلا يخالطون غيرهم، وهم بذلك يهدمون حقيقة كبرى من حقائق هذه الفريضة العليا، قد تتكفل كل حكومة بجمع حجيجها في إطار واحد لتسهيل سبل التنقل وقضاء المصالح، وهذا لا اعتراض عليه، ولكن إذا وصلوا إلى زمزم والحطيم انداحوا في هذا السيل يختلط هذا بذاك فيعرفه ويتعارف عليه ويحبه ويحضتنه، ويسعد بلقائه، ثم يعود كل إلى بلده وأهلة، وقد امتلأت كل جوانبه بحب المسلمين في بقاع الأرض كلها ثم يفيض هذا الحب تعاونًا واقترابًا وسلامًا يقضي على القطيعة والنفور وبذور الشر والاحتراب.
إن الحج كما أراده العليم الخبير، دلالة كبرى من أدلة عالمية هذا الدين هذه العالمية التي بدأت مع بدء الإسلام نفسه في مكة، إذ كان أوائل الصحابة وأكرمهم أبو بكر العربي وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي وغيرهم وغيرهم من شتى الأمم والشعوب.

إنه النداء العالمي الأصيل «وكونوا عباد الله إخوانًا» وليست هذه المحاولات الفاشلة التي تبدو يومًا في صورة عصبة الأمم المتحدة ويومًا في صورة محكمة العدل الدولية، ويومًا ويومًا.. وكلها لم تغن الناس شيئًا عن الدمار والخراب والويل والدم المسفوح ظلمًا وعدوانًا في كل بقعة من بقاع هذه الكرة التي ما قاموا عليها إلا ليعمروها ويجعلوها جميعًا مزرعة لهم تفيض عليهم بالمنفعة والقوة والغذاء، دون ما عداوة ولا بغضاء ولا فقر ولا جهل ولا مرض.



إنه الوحدة الحقيقية، قبل أن يكون الوحدة المصلحية، الوحدة التي يجب أن تقوم بين أبناء الأب الواحد والأم الواحدة.. آدم وحواء. وحدة الحب ورباط الأسرة التي تتسم بالتضحية والفداء والإيثار والتجرد من الفردية التي تقوم على الأثرة والأنانية، إلى الجماعية التي تتأصل برباط العقيدة قبل أن ينظر إلى رباط الدم وحده الذي قد يسيل هنا احنًا ويجري هناك عداءًا، هنا في هذا الطهر ينطق العالم كله بكلمة واحدة "الله أكبر" ويطوف حول رمز واحد ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (آل عمران:96) ويشرب من معين واحد، هو شفاء لما شرب له.. زمزم الحبيب وينفر كله من مصدر الشر والزيغ عند رمي الجمار، هذه هي رموز الوحدة وجمع الشمل وسمو المجتمع أينما كان هذا المجتمع وأينما قام.
في الحج يعرف كل حاج عن طريق اليقين والمشاهدة، ما يجب أن يعرفه كل حاج عن أخيه أينما كان الموطن والمقام، لا المعرفة التي تتم عن طريق القراءة الصامتة، والسماع الذي يشبه الصمم ولا شيء غير رجع الصدى، في الحج يعرف كل شعب مسلم حال غيره من الشعوب المسلمة إن كان جهلا علمه، وإن كان فقرًا.. أغناه، وأن كان مرضًا.. شفاه، وإن كان عجزًا.. قواه، وإن كان شتاتًا.. لمه وجمعه. أم ترون أن الله سن الحج ليخرج الناس من ديارهم متجردين ياعنون وعثاء السفر والرحيل، ولا شيء غير ذلك (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) أنه سبحانه ما سن سنة عبثًا، ولا خلق شيئًا لعبًا ولهوًا.. أبدًا أنه سبحانه في غنى عن كل ذلك ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾(فاطر:15).
لقد فرطنا في كل هذه المعاني السامية، وأحلناها إلى حركات ميت، وأداء خلا من كل شعور قلبي، واكتفينا عند الطواف بالإشارة إلى الحجر الأسود تشبهًا وتقليدًا، لا إحساسًا وتمجيدًا ونشير إليه ونحن لا نحس بأنه يمين الله في الأرض، وحسبك تقديرًا لمن يحس بيمين القوي العزيزة شاخصة أمام عينيه، تهيب به تعبدًا وإخلاصًا وقوة وإجماعًا، وبمن يرى يمين يرى يمين الله بارزة أمامه، فلا يزيده الأمر شيئًا سوى الإعجاب.. فياليته يحس أيضًا حتى بهذا الإعجاب، الذي لا ينطوؤ على شيء.
إن المسلمين اليوم بعيدون كل البعد عن هذا الجلال أو هذه المواقف التي تهيب بهم أن العزة لكم فحققوها، ولئن التمسنا لهم العذر –وليس بملتمس- كما أصابهم من غفلة وخمول طوال العهود الأخيرة، عهود الظلم والاستعمار والاستعباد والاستغلال، فإننا نتجه وكلنا إخلاص حار طهور، إلى حكام المسلمين، أن ارحموا شعوبكم، فاقضوا على ما بينكم من خلاف فأنتم في شيء من الأشهر الحرم، وإن لم ترحموا شعوبكم فارحموا أنفسكم من وقفة يسألكم ربكم فيها: أيها الرعاة ما فعلتم برعيتكم التي استرعيتكم عليها، ارحموا أنفسكم يوم لا ينفعكم جاه ولا سلطان ولا جند ولا أعوان ولا تاج ولا صولجان، ولا هيل ولا هيلمان، يوم تقفون حفاة عراة بين يدي ملك الملوك ورب الأرباب الذي لا ملك آنئذ إلا لله الواحد القهار، يوم لا ينفعكم عند الحساب إلا دين آمنتم به، وعملتم له، ورحمتم به عباد الله بكل عوامل الرحمة المادية منها والمعنوية.
يا حكام المسلمين: إن مسئوليتكم على ما أنتم عليه اليوم – خطيرة خطيرة فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحسابوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا عليكم فما بعد الموت من مستعتب وما بعد هذا الملك الذي أنتم فيه إلا الجنة أو النار، وطوبى لمن خير فاختار، أسأل الله مخلصًا أن تكونوا جميعًا ممن عناهم الله بقوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الفرقان:70)
اللهم أنت تعلم أنني أكتب هذا في سويعات من إقبال ليلك وإدبار نهارك فاجعل أفئدة حكام المسلمين تهتدي إلى ما أدعوهم إليه، إنك نعم المجيب ويا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك يا ألله.

--------------------------------
avatar
abdel

ذكر
عدد الرسائل : 93
العمر : 36
المدينة الدولة : agadir Maroc
المهنة : entreprenneure
الهواية : cherche sur internet. musique. ..
نقاط : 131
تاريخ التسجيل : 03/05/2010

http://abdelaziz.jeun.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خواطر رائعة في الحج

مُساهمة من طرف abdel في 2010-05-13, 13:03


وفي العبادات زاد.. الحج
للأستاذ/ مصطفى مشهور
المرشد الخامس للإخوان المسلمين*


رحلة الحج ليست كغيرها من الرحلات؛ إنها ليست رحلة بالأجساد إلى مكة؛ حيث الكعبة وجبل عرفات.. إنها رحلة ربانية، رحلة نورانية، رحلة قلوب وأرواح تسعى إلى الله خالقها، فتتصل بأصلها، وتستمد القوة والحياة والسعادة، وتتزود بالتقوى خير زاد.


إن هذا البيت الحرام ليس كغيره من البيوت، وإن كان من حجارة متشابهة.. إنه بيت الله الحرام، وهذا الجبل ليس كغيره من الجبال، وإن كان من نفس مكونات الجبال.. لقد خصهما الله بأسرار وفيوضات، وتأثير وتجليات، كما خصَّ سبحانه القرآن كلامه العظيم بأسرار وإعجاز وتأثير، وإن كان من ألفاظ وحروف مثل التي نتكلم بها.. وهذا فضل منه ورحمة بنا وتيسير، فإننا لا نقوى على تحمل كلام الله على حقيقته مباشرة: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (الحشر: من الآية 21).. كما أننا لا نستطيع تحمل تجلي الله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (الأعراف: من الآية 143)، فيسر الله لنا زيارته والقرب منه ومناجاته، والنيل من فيوضاته بزيارة بيته الحرام، الذي تجلى عليه وخصه بفيوضات وأنوار تنعكس علينا بالقدر الذي نتحمله.
وعلى قدر تهيؤ القلوب التي تخشى ربها، على قدر استقبالها لهذه الأنوار والفيوضات الربانية، كما هي الحال مع كتاب الله– عز وجل: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر: 23).
فيا أخي، عش رحلة الحج من خلال هذه النظرة الربانية كرحلة حياة للقلوب والأرواح، لا من خلال النظرة الجسدية الحسية؛ فينشغل القلب بالله والقرب منه، والتزود من فضله وإحسانه ورحمته، فيتحقق لك الحج المبرور، والزاد الموفور، والذنب المغفور، وتعود طاهرًا نقيًّا كيوم ولدتك أمك.
* وبهذه النظرية تعرف سر تلك المشاعر والأحاسيس الغامرة، التي هي مزيج من الخشية والمهابة، والفرح والسعادة، عند وقوع بصرك على الكعبة المشرفة لأول مرة.
* والطواف بالكعبة- وهو تحية هذا المسجد- يبدأ باستلام الحجر الأسود وتقبيله إذا تيسر لك ذلك، متمثلاً عليه الصلاة والسلام في هذا الاستلام، وهذا التقبيل، مصطحبًا نية العهد مع الله على التزام صراطه المستقيم، والقيام بواجبات الإسلام من جهاد وتضحية ونصرة لدينه في عزم صادق على الوفاء بالعهد وإتمام البيعة، واستشعاره خطورة النكث في العهد، وما يترتب عليه من غضب الله وعذابه.. وفي إتمام هذا العهد بهذه الصورة زاد وأي زاد على طريق الدعوة.
* الطواف حول البيت صلاة في صورة خطوات، ودورات ودعوات، فأدِّه كأدئك للصلاة في خشوع وحضور قلب، وأدب ورفق بإخوانك أثناء الطواف، واستشعر اطلاع الله عليك وأنت تؤدي هذه العادة حول بيته الحرام، واعلم أن قلبك هو موضع نظر الله إليه، فأخله من كل شيء إلا الله وحب الله، والإخلاص لله، حينئذ تسمو الروح وكأنها هي التي تطوف حول البيت وليست الأقدام، ولتكثر من ذكر الله والدعاء لك ولإخوانك ولدعوتك.
* وعند الملتزم بعد الطواف استشعر- بالتصاقك بالبيت- الرغبة الشديدة في القرب من الله، وبتعلقك بأستار الكعبة، استشعر الفقر والحاجة إلى الله وإلى مغفرته ورضوانه، وبوقوفك على أعتاب الكعبة استشعر وقوف العبد الفقير على باب الغني الكريم، وليطلع الله منك على صدق الإقبال عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء فيه، والندم والتوبة النصوح، والشعور أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، مع الشعور بالحب والخضوع ولذة القرب والطاعة، وفي هذا المزيج من المشاعر الطيبة السامية، أكثر الدعاء، واسكب العبرات، وجدد العزم والعهد مع الله، وكأنك لا تريد أن تترك أعتاب بابه إلا لتتيح الفرصة لغيرك من ضيوف الرحمن.
* وعند مقام إبراهيم تصلي ركعتين، وتتذكر الصلة الروحية الممتدة عبر الأجيال بيننا وبين سيدنا إبراهيم- عليه السلام- واستجابة الله لدعواته بأن بعث فينا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين.
* وماء زمزم ليس كغيره من الماء، فقد خصه الله كذلك بخير كثير، ولنذكر عند شربنا منه السيدة هاجر وسيدنا إسماعيل، وكم قاسا من العطش قبل ظهور زمزم، فلنروض أنفسنا على تحمل المشاق في سبيل الله، وفي ميادين الجهاد.
* والسعي بين الصفا والمروة أيضًا من شعائر الحج والعمرة، فهو عبادة وليس مجرد سير هذه الأشواط، وإذا صاحبها شعور بالتعب والمشقة فلنذكر السيدة هاجر وسعيها بين الصفا والمروة؛ بحثًا عن الماء لوليدها الذي أشرف على الهلاك؛ فما أجدرنا أن نتحمل مشاق السفر والجهاد في سبيل الله تعبدًا وتقربًا إلى الله، زكاةً لصحتنا، وشغلاً لأبداننا بطاعة الله.
* في أيام إقامتك بمكة وفي رحاب البيت الحرام، ما أروع وأجمل أن تنتهز الفرصة، وتؤدي جميع الصلوات، والكعبة المشرفة أمام ناظريك.. وفي هدوء الليل تنتحي جانبًا في رحاب الكعبة، وتتهجد لله وتناجيه، وتخبت له وتخشع، وتطرق باب الكريم بركعات وسجدات ودعوات ودمعات من خشيته، وفي هذا الجو الرباني لا ننسى أن نسأل الله أن يعز جنده، وينصر دينه، ويهزم أعداء الإسلام في كل مكان.
* وفي مكة حين تسير في شعابها وبين أرجائها، وتزور غار حراء وغار ثور، عش ذكريات أيام الدعوة الأولى، وما تعرض له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمون الأول، من إعنات وتعذيب وإيذاء بسبب عقيدة التوحيد، وتذكر صبرهم وثباتهم وإصرارهم على تبليغ الدعوة، وتذكر دار الأرقم بن أبي الأرقم، التي ربى فيها رسولنا الكريم هؤلاء الأبطال الذين اندكت على أيديهم كل الضلالات وحصونها من عبدة الأصنام وعبدة النار، والروم واليهود، واستشعر أنك تسير على أرض سار عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
* إن في اجتماع الحجاج من كل أقطار العالم فرصة سانحة لتقوية الروابط بين المسلمين وتعارفهم، وتعرفهم على أحول بعضهم البعض، وتبادل المشاعر والآمال والآلام، ليكونا حقًّا كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضًا، وليتدارسوا أهم القضايا التي يعيشها العالم الإسلامي والاقتصاديات الإسلامية، وكبد الأعداء وكل ما يهم المسلمين، وحبذوا لو تبادلوا المراسلات بعد الحج لتدوم الصلة وتعرف الأحوال، وليتمثل الحجاج شعار وحدة الأمة الإسلامية: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:52).
* وعلى عرفات الله هذا الجبل الذي خصه الله، دون الجبال بهذا الخير، وهذا الفضل وهذه الفيوضات والرحمات تتنزل على ضيوف الرحمن، وقد اجتمعوا جميعًا فوق هذا الجبل، في زي الإحرام المبسط يجئرون إلى الله بالدعاء بصورة تذكرهم بيوم الحشر.. إنه مشهد عظيم ويوم عظيم، وقد روى مسلم وغيره عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من يوم أكثر من يوم عرفة، وأنه ليدنو- عز وجل- ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟".
* ومن الخير الذي أفاضه الله على هذا اليوم أن جعل صيامه لغير الحجاج يكفر سنة قبله وسنة بعده، فعن أبي قتادة- رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن صوم يوم عرفة، قال: "يكفر السنة الماضية، والباقية" (أخرجه مسلم).


* وعند الإفاضة من عرفات تجيش المشاعر عند وداع هذا الجبل الحبيب، وهذا اليوم المبارك، وهذا الموقف العظيم، وتتعلق القلوب برجاء القبول.
* وفي رمي الجمار معنى الانقياد للأمر وتحقيق العبودية بالامتثال، وإن لم يكن للعقل حظ في هذا الفعل، ولنتذكر تعرض الشيطان لسيدنا إبراهيم- عليه السلام- ليثنيه عن طاعة أمر الله، وعدم استجابة الخليل لهذه الوسوسة... فما أجدرك- أيها الحاج- أن تتجسم أمامك خطورة نزغات الشيطان ووسوسته، وضرورة مقاومته، وأنت ترمي الجمرات؛ دحرًا لهذا الشيطان الرجيم.
* وفي ذبح الهدي وتوزيعه على المحتاجين من المسلمين قربة لله ومرضاة له، ورجاء في أن يعتقه الله من النار، وفي ذلك أيضًا تحقيق معنى العطف على الفقراء، وإطعامهم من أفضل الهدي... ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج: 36).
* وفي طواف الوداع الإحساس بفراق أعز الأماكن وأحبها إلى قلبك، وكذلك رجاء في قبول الله هذا الحج، ورجاء في العودة فيما يقبل من عمر.
* وفي الرحلة إلى المدينة تذكَّر هجرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والمسافات التي قطعها وهو يطارد، واستقبال أهل المدينة، وبَدْأَه ببناء المسجد، وعش هذه الذكريات العطرة، وما تم فيها من إنجازات كبيرة على يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته والغزوات والفتوحات، وتطهير الجزيرة من الشرك والأصنام، ومن اليهود بعد حنثهم العهود، كما هي عادتهم التي قررها القرآن.
* وفي مسجد الرسول- صلى الله عليه وسلم- تذكر حدث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي رواه البخاري: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي"، فعش هذه السعادة الروحية بينك وبين الرسول الحبيب، وأنه حريص علينا، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز عليه إعناتنا، سلِّم عليه، وصلِّ عليه، وادعُ الله أن يجازيه عنا خير ما جازى نبيًّا عن أمته، وكذلك الخليفة الأول أبي بكر- رضي الله عنه- وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وادعُ الله أن يحشرنا مع هؤلاء النفر الكرام.
* وزُر المشاهد في المدينة، وتذكر الأحداث التي جرت عليها، والتي غيرت وجه التاريخ، وزر البقيع الذي يطوي أبطالاً أطهارًا، وزر أحدًا، هذا الجبل الذي دارت عنده غزوة أحد، وتذكر ما فيا من عبر ودروس.
وهكذا.. عِشْ تلك الفترة من السيرة العطرة بذكرياتها الطيبة، التي تمنحك الزاد والعظة والعبرة، التي أنت في أشد الحاجة إليها، وأنت تسير على طريق الدعوة.
avatar
abdel

ذكر
عدد الرسائل : 93
العمر : 36
المدينة الدولة : agadir Maroc
المهنة : entreprenneure
الهواية : cherche sur internet. musique. ..
نقاط : 131
تاريخ التسجيل : 03/05/2010

http://abdelaziz.jeun.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: خواطر رائعة في الحج

مُساهمة من طرف abdel في 2010-05-13, 13:05

الحجٌّ... والعودة
الحاجة/ زينت الغزالي*

لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك..
نداء الأزل.. لا أول له، ونداء الأبد.. لا نهاية له، لبيك وسعديك والملك كله بين يديك، والثناء الجميل عليك، لبيك حاجِّين بقلوبنا، مهاجرين إليك بذواتنا، راقِين إليك بأرواحنا، منطلقين إليك بكل كياننا، خاشعين بين يديك بجوارحنا.

إنها لأوقات تغمرها الرحمات وتتنزل فيها البركات في أشهر الحج المعلومات، وكل الذي تعج بهم هذه الساحات التي يهرع إليها الحجيج من كل فجٍّ عميقٍ يأتون إلى حرم الله رجالاً وعلى كل ضامر؛ ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، ثم ليقضوا تفثهم، وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق.
يعيشون خلال ذلك كله على الأرض المقدسة، خاشعةً قلوبُهم، تلهج بالذكر والدعاء ألسنتُهم، ليِّنةً في طاعة الله أعضاؤهم، تملأُ أنفاس التاريخ وعطور الذكرى أعماقُهم، يراجعون ماضيهم وحاضرهم وكيف كانوا بالأمس سادةً، وكيف يطلبون في غدهم العودة إلى هذه السيادة، فيقدموا للبشرية نموذجًا لمجتمع فاضلٍ، تسري فيه روحُ الجدية الدائمة والعمل الدائب؛ كي تنهض الأمة الإسلامية من كبوتها، وتنتظم على طريق الوحدة خطواتها، فتعود إليها دولتها، دولة القرآن التي تستمد منه كل معاني قوتها وعزتها.
لذلك أصبح أمرًا حتميًا وضرورة لازمة أن نعالج العلل والمشاكل الحائلة بيننا وبين وحدتنا، وأن نُزيل الحواجز والعقبات القائمة بيننا معاشرَ الموحِّدين المنادين لا شريكَ لك لبيك..
لبيك اللهم لبيك.. دعاء إلى الله أن يرشد المسلمين إلى منافع الحج حتى يشهدوها، ويلهمهم إشاراتها حتى يفهموها ويفقهوها؛ ليعيشوا ثانيةً مع تاريخهم الخالد، تتجدد أشواقهم إلى عزائم الرجال حول محمد- عليه الصلاة والسلام- في العصر الأول، فتحلق حولهم آمال وقلوب بقية إخوانهم في أرجاء العالم الإسلامي، فيا أيها المسلمون بصفة عامة، ويا أيها الحجيج بصفة خاصة، لقد خلفتم في بلادكم أقوامًا كثيرين جعلوا القرآن وراءهم ظهريًا، وولُّوا وجوههم شطرَ أنظمة وضعية؛ فتفرقت بهم السبل، وباعدت بينهم النظم، حتى أصبحوا أوزاعًا بين العالمين، لا دولةَ تمثلهم، ولا كيانَ ينطق باسمهم، ولا طابعَ ربانيَّ يميزهم.
فهلاَّ فقهتم قول الله في الحجيج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾؛ فينطلق كل منكم يحاول أن يتخذ من موسم الحج وساحته واجتماع هذا العدد الضخم- الوافد من جميع أنحاء العالم الإسلامي بمختلف مستوياته وثقافته- منطلقًا على معرفة أحوال إخوانكم المسلمين، عن طريق تبادل المعلومات حول الحوادث والمشكلات والأزمات والحاجات وعملاً لإزالة الحواجز والعقبات.
فالتسيب والتحلل والتخلف الذي تعاني منه مجتمعاتنا حاليًا جديرٌ بأن يلقى من الحجيج تفهُّمًا لأسبابه وعملاً على إزالتها؛ حتى يعود للأمة رباطها وضبطها، ومن ثم تكون أقوى أمة؛ لتقوم بأصدق دعوة وأبرز إعلان وأنجح إعلام بالإسلام وبالقرآن.
إنكم- أيها الحجيج الكرام- إذا فعلتم ذلك ودعوتم له، وعُدتم رسلَ حقٍّ لا تخشون في الله لومة لائم.. خطوتم بثبات وعزيمة على طريق الرشاد فيلتفّ حولكم عالمُكم الإسلامي فيعتزُّ أبناؤه بالانتماء إليه، والإقبال على كتابه درسًا وبحثًا وتطبيقًا.. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: من 6:4).

من وحي الحج
بقلم الأستاذ: صالح عشماوي*


﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 127،128)


العبادات في الإسلام هي في الأصل وقبل كلِّ شيء أمور تعبدية فرضها الله على عباده، وهم يؤدونها طاعةً له، وامتثالاً لأمره، والتماسًا لمثوبته وأجره ولكنَّ حِكمة العليم الخبير اقتضت ألاَّ تخلوَ هذه العبادات من مقاصد ومنافع، وهي ممارسة عملية لمبادئ الإسلام وأهدافه؛ تثبيتًا لقواعده وترسيخًا لمفاهيمه.
والحج- فضلاً عن أنه عبادة وطاعة، وذكر لله ومناسك تؤدى بشكل خاص وفي أيام معدودات- فإنه ينطوي على أهداف نبيلة، ومقاصد شريفة، ومنافع يجب الاستفادة منها، يقول الحق تبارك وتعالى- في سورة الحج-: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾(الحج: 27،28).
وليست المنافع مقصورة على التجارة والبيع والشراء، بل هي تتسع لكل ما ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم، ويشمل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لذلك يعتبر الحج المؤتمر الإسلامي الأكبر، الذي يلتقي فيه المسلمون على اختلاف شعوبهم وألوانهم وألسنتهم، وتباعُد ديارهم وأقطارهم؛ ليتعارفوا ويتعاونوا على حل مشكلاتهم والفصل في قضاياهم، وتبادل الآراء والأفكار، وبذل المساعدات المادية والروحية؛ حتى يحققوا قول الله تبارك وتعالى فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: من الآية110).
وإذا كان الإحرام والتجرد من الثياب المخيطة هو رمز المساواة بين المسلمين جميعًا أمام خالقهم، فلا تفاضل أو تميز بجاه أو مال أو ثياب، ولا بلون أو جنس أو لسان، بل الكل عباد، وهم أمام الواحد القهار سواءٌ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بتقوى الله والعمل الصالح.
وإذا كان الطواف حول الكعبة المشرفة واتجاه المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها إليها في كل صلاة، هو رمز لوحدة الهدف والغاية، وهي عبادة الله والفوز برضوانه..
وإذا كان رمي الجمار تمثيلاً رائعًا لطاعة الرحمن وعبادته، ورجمًا للشيطان ومخالفته، والدفاع عن الحق ومواجهة الباطل وإنكاره..
وإذا كان النحر تحقيقًا للإخاء والتعاون والتكافل بين المسلمين بإطعام الفقراء والمساكين في يوم العيد..
إذا كانت كل هذه المناسك والشعائر رموزًا لهذه المقاصد السامية والغايات الشريفة والمبادئ الكريمة، فإن أروع ما في الحج- في نظري- من مقاصد وأهداف وغايات هو تجسيد معنى أن المسلمين- على اختلاف شعوبهم وألوانهم وجنسياتهم- هم (أمة واحدة) و(وطن واحد)، وهذا يتجلى بأروع مظهر يوم الوقوف على عرفة، فهناك تقعُ العين على منظرٍ لا مثيلَ له في العالم، يمثِّل الوَحدة والإخاء والمساواة.
فجميع الحجاج- الذين وفدوا من كل بلد وقطر- وقفوا في ثيابٍ واحدةٍ بسيطةٍ بيضاءَ، رمز الطهر والصفاء، حاسرة رؤوسهم، يرفعون الأكفَّ في ضراعة وخشوع وانكسار وخضوع، يذكرون ربًا واحدًا وخالقًا واحدًا، ويسألونه المغفرة وقبول التوبة والرحمة والعفو من الذنوب والسيئات، ويدعون ويلحُّون عليه في الدعاء، راجين منه العون على كل ما يحقق لهم طيب الحياة في الدنيا، والنعيم الخالد والسعادة الأبدية في الآخرة.
وفي هذا الموقف ترى العربي والهندي والفارسي والإفريقي والتركي والأفغاني، والإندونيسي والأوروبي والأمريكي.. يذكرون الله وحده بلسان عربي، لا بلُغة أعجمية ولا بلهجة إقليمية، مرددين: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر).
هناك على عرفات ترى الشعوب الإسلامية- على اختلاف ديارها وتباعُد أقطارها واختلاف ألوانها وألسنتها وأزيائها- قد انصهرت في بوتقة الإسلام، وخرجت منها تقيةً زكيةً، لا تعرف غير قومية واحدة هي (القومية الإسلامية) ولا تعتز بصفة أكثر من أنها (الأمة المحمدية)، هنا يتجلى ويتجسد معنى أن المسلمين (أمة واحدة) وأن (الإسلام وطن وجنسية) وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).
فالمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة، يعبدون ربًا واحدًا، ويتبعون رسولاً ونبيًا واحدًا، ويحكِّمون دستورًا وقرآنًا واحدًا، ويعيشون على رقعة من الأرض، إن اتسعت وامتدت من المحيط إلى المحيط، إلا أنها وطن واحد.


تُرى هل فقِه الحجاجُ الواقفون على عرفات هذا المعنى؟! وهل أدركه المسلمون من غير الحجاج- وقد سن لهم أن يصوموا يوم عرفة- ليتصلوا بقلوبهم وأرواحهم بإخوانهم الحجاج؟! وهل يسعى الجميع ويجاهدون ليحققوا هذا الهدف النبيل والغاية السامية من مقاصد الحج؟!
أجل، على المسلمين أن يتنادوا (بالوحدة الإسلامية)، بعد أن خفتت أصوات الداعين إليها في عهد الظلم والطغيان، وارتفعت الأصوات المنكرة بالدعوة إلى القوميات بعد تفريغها من كل مضمون إسلامي!
وهل يدرك المسلمون أن محاربة اللغة العربية ومحاولة القضاء عليها، والدعوة إلى إحياء اللهجات العامية في كل قطر عربي، هي محاولة تستهدف محاربة الإسلام نفسه، والقضاء على وحدة المسلمين التي هي ثمرة التقائهم على لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتراث الإسلامي الخالد؟!
إن العمل العظيم في مغزاه ليصغر إذا جهل الناس هدفه ومرماه، وكذلك هذا الحج الذي أقام الله به دعائم الصلاح والقوة في الحياة، أصبح عند الكثيرين عبادةً آلية عاديةً يؤدونها، أما هذه الأهداف البعيدة والغايات السامية، فإنهم لا يطيلون فيها التفكير، ولا ينظرون إليها نظرة الفاحص الخبير! وخيرهم من يرجو بها المثوبة والأجر.
ليس الإسلام دين العبادات المجردة، ولكنه دين المقاصد النبيلة والأهداف السامية، وعلى المسلمين إذا أدوا عباداتهم، من صلاة وصيام وزكاة وحج، أن يتفكروا هل انتهوا من تحقيق غاياتها وأهدافها في أنفسهم، وفي مجتمعهم، وفي أمتهم ووطنهم أم لا؟
والله أسأل أن يوفق المسلمين لفقهِ دينهم، والعمل بكتاب الله وسنة نبيهم- صلوات الله وسلامه عليه- حتى تعود لهم وحدتهم وقوتهم وتتحقق لهم عزتهم وسيادتهم في الدنيا، وسعادتهم في الآخرة، إنه سميع مجيب.


لماذا الحج إلى ذلك البيت؟
بقلم الدكتور: عمارة نجيب

إن مؤتمر الحجيج في كل عام كفيل بتحقيق ما تصبو إليه الأمة الإسلامية من تعاون وتكافل وتقدم مادي وفكري لو استُغل على النحو الذي يوجه إليه القرآن الكريم.
كم للإسلام من مواقف تستحث العقول على البحث والدراسة والتأمل، وتنهض دليلاً عمليًا على أن هذا الدين لم يكن كتلك المعتقدات التي نشأت وترقت بفعل البشر، كما تنهض دليلاً عمليًا على أن هذا الدين لم يكن من تلك المعتقدات التي اختلط فيها وحي الخالق بتحريف الخلق، فأصبحت قابلة للنقض والمعارضة العقلية والعلمية، بل كان الإسلام- وسيظل- البرهان الواضح على أن وحي الخالق إلى خلقه حقيقة علمية، وعلى أن هذا الوحي الحقيقي هو الذي قاد ويقود خطو الإنسان إلى السعادة والتقدم والنعيم، حين يسلم الإنسان من التحريف والتزييف والالتواء.


ومن حسن حظ الإنسانية أن العقل الراشد والعلم الحقيقي يمكنهما اكتشاف الفروق بين تعليمات أو تشريعات يضعها البشر مهما تفننوا في صنعها- حيث تطل من خلالها ذاتية المشرع أو هواه أو أنانيته، أو عنصريته، أو شعبيته، أو عجزه وفشله، أو جهله، فردًا كان ذلك المشرع أو حزبًا أو طائفة أو جماعة- وبين تعليمات أو تشريعات يحملها وحي الخالق إلى الخلق، فيظهر فيها علم الخالق بالنفس البشرية وحاجاتها، وما يصلح شأنها، ويظهر طاقاتها، ويحقق لها الراحة والمتعة والمنفعة، كما يظهر فيها خبرة الخالق بالنظام الاجتماعي الإنساني، وصلة الواحد بالآخر، وصلة الجماعة بالواحد، وصلة الجميع بالكون وبالحياة وبملايين الآيات والأدوات، وما يترتب على ذلك من علاقات، وما يؤدي إلى صلاح هذه العلاقات وتأديتها لوظيفتها على غير وجه، إلى غير ذلك؛ مما يرفع وحي الخالق عن كل النقائص البشرية من جهل وقلة خبرة وعدم إحاطة، ومن أثرة وأنانية وشعوبية وعنصرية... إلخ.
فإذا جئنا إلى الحج كتشريع إلهي، فرضه الله على من سيتطيع إليه سبيلاً من المسلمين، وجدنا فيه كل الدلائل على هذه المعاني التشريعية الإلهية من شمول التشريع جميع أفراد المسلمين، فيلتقون في مؤتمر عام، لا يفرق بين أعجمي وعربي، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين شامي ومصري، أو شرقي وغربي، أو رومي وفارسي، أو حاكم ومحكوم، أو فقير وغني، ولابد لكي يؤدي هذا اللقاء هدفه يرتبط بالروح الإنسانية العامة، ولكي يرتبط بالروح الإنسانية العامة، كان لابد أن يرتبط هذا اللقاء العالمي بالملأ الأعلى أولاً؛ حيث ترتقي النفس وتخلص من كل شهواتها المادية، فترفع كل هذه الجموع التي تجيء من كل البيئات والبقاع.. ترتفع عن كل اختلاف في اللغة واللسان، أو في اللون والمظهر العام، أو الرغبات الدنيوية، أو كل إخلاد إلى الأرض واتباع للهوى، ترتفع عن كل ما يؤدي إلى التنافر بطبعه، وتسعى إلى ما يؤدي إلى التلاقي والمشاركة الوجدانية بطبعه، وإلى الإلتقاء بالملأ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ (البقرة: 197).
كان هذا المؤتمر على هذا المستوى الرائع بهذه السمة التي حددها الخالق سبحانه، ودعا من خلالها أصحاب العقول إلى التقوى، ذلك الجامع العام لكل الفضائل، وجعلها خير الزاد؛ لأنها الوسيلة العملية لزيادة الإنتاج وتنميته، ولترشيد الاستهلاك أو الإنفاق، ولعل لهذا صلة قوية بجعل هذا الموسم يجمع الجموع، ثم يربطها بالله، ثم يعلمها كيفية التعامل على كل المستويات، وفي كل جوانب الحياة، فسمح للحجاج بأن يحملوا معهم وسائل الانتفاع المادي التي يستخدمونها في حياتهم؛ ليكون للموسم عائده المادي والمعنوي والتربوي والتوجيهي.
يقول الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 27- 28) ، فـ﴿رِجَالاً﴾؛ أي مشاة، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ أي ركبانًا.. قدم شهود المنافع، وربط بها ذكر الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ودعا إلى الأكل منها، وإطعام البائس الفقير؛ ليصبح الحج جامعًا للأفكار الإسلامية، والسلوك العملي الإسلامي.
ولتمكين هذه الأهداف من نفوس الناس، استعمل الإسلام من خلال الحج قواعده النظرية العامة، من أوامر ونواهي تحقق الانضباط، وتعلم الالتزام، وتربي الجماعة على الفضائل؛ ولأن كثيرًا من النزعات البشرية لا تسلس قيادها إلا بعد التربية بالمحسوس، فإن موسم الحج يعد جامعة هائلة في هذا المكان بالذات؛ فهو مكان أول بيت وضع للناس، ومن ثم فهو يحمل زائريه على أن يستعيدوا ذكريات هذا البيت، وقصص ساكنيه، وآيات هذه القصص.
من هنا كان لاختيار هذا المكان بالذات حكمة عالية، وغايات سامية، قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 95- 97).
وضع هذا البيت على عين الله ليكون سكنًا آمنًا لأول إنسان هبط إلى الأرض؛ لأن هذا الإنسان الذي خلقه الله من طين، وسواه، ونفخ فيه من روحه، فتميز بهذه النفخة من روح الله، تميز بذلك العقل (أوالقلب الذي يعقل) كان عليه (أي الإنسان)- لكي يعايش الكائنات الأخرى التي سبقته في الوجود من هوام وحشرات ووحوش وهوام- أن يستند إلى قوة تفوق قوى هذه الكائنات مجتمعة، وإلا انقرض جنسه وضاع، فكان الله معه، وهو القوي العزيز، بعد أن علمه بالتجربة ضرورة الالتزام بوحيه، والتنبه لأوامره، وضع له هذا البيت وهيأته الملائكة بحيث يكون آمنًا، ومنذ تلك اللحظة هو أمان لكل من دخله.
وقد حرس الله أمره هذا حتى تكررت التجربة مرة ثانية، لمَّا أوحى إلى إبراهيم- عليه السلام- أن يترك زوجه هاجر ومعها طفلها الرضيع إسماعيل في نفس المكان، وإن كانت قد زالت منه الأركان فقواعده باقية منذ ذلك الزمان..
لقد حرس الله هذا الوليد وأمه، كما حرس آدم وزوجه، وكان أسلوب الحفظ واحدًا، وكان تكراره تأكيدًا لقدرة الله على كل شيء، وتذكيرًا للإنسانية بنجاتها في الأولى والثانية من خلال حراسة الله وحفظه، وتهيئته وسائل الحياة والعيش لكليهما، فكان أبو البشرية آدم آمنًا في هذا البيت بأمان الله وحراسته ووحيه، وكان إبراهيم آمنًا على ابنه وزوجه في هذا المكان بأمان الله وحراسته ووحيه، ثم أصبح هذا البيت آمنًا أبدًا بتوكيل الله خلقه في حفظه حتى أمة محمد- صلى الله عليه وسلم: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (آل عمران: 97) ، فكانت التجربة والنتيجة، وكانت الإنسانية والكون والوحي والشيطان عناصر هذه التجربة، وكان التفاعل بين هذه العناصر خلال درجات من الصراع تزيد وتنقص، فأنتج ذلك كله نتيجة واحدة، أقسم على صدقها العليم الخبير المحيط فقال: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1- 3) ، فكان لابد أن تكون للإنسانية هنا وقفات تعود بها إلى أصلها الواحد، لتنطلق إلى هدف واحد، وصدق رسول الله: "كلكم لآدم وآدم من تراب".
وتعود بنا الذكريات إلى قدرة الله ورحمته وحمايته لهذا الجنس الآدمي من الانقراض؛ لهذا تكفل وحده بحماية آدم وزوجه- اللذين لا مخلب لهما ولا ناب- من كل المهلكات (وليس كما يدعي دعاة مذهب النشوء والارتقاء).
وتعود بنا الذكريات- أولاً وقبل كل شيء- إلى حماية الله لهذا البيت كرمز لقدرته ورحمته، وكامتحان لخلقه به، فقد جعله آمنًا، وأوكل إلى الإنسانية تحقيق هذا الأمان بعد أن صاروا قادرين عليه، ممتحنًا إياههم بهذه الوكالة، وإلا فهو قادر على حمايته بنفسه، ودون تدخل أحد من خلقه، ولكنه أبى أن يترك الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.
هذا البيت أصبحت وكالة الخلق في حمايته رمزًا لمدى استعدادهم لحماية الحق ونصرته؛ ولذلك لما تخلى المكيون عن هذه الحماية أمام جيش "أبرهة" ليصور سلبيتهم، هذه المرة قول عبد المطلب لأبرهة: "أما الإبل فهي لي، وأمَّا البيت فله ربٌ يحميه"، هذه السلبية المرة، التي تعلن في غير خفاء، فلمس هذا الجيل عجزه وقلة حيلته، وأمام مثل هذا العجز وقلة الحيلة، كان لابد أن تتدخل القدرة الإلهية وحدها لتأمين هذا البيت وحمايته من هذا الذي جاء مقرِّرًا هدمه، وتحويل الحج عنه، فكانت الطير الأبابيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾. (الفيل: 1- 5) ، ولم يمضِ على حادث الفيل غير أربعين عامًا، ثم كانت بعثة محمد بن عبد الله، التي انتهت بوكالة المسلمين في حماية هذا البيت، وجعله آمنًا، ورفض السلبية والعجز.
إن هذا الحادث- وهو يمر على بعض العقول مرورًا سريعًا- لا يكاد يمس ذهني حتى يذكرني بسلبية ذلك الجيل عام الفيل، وظهور جيل جديد بعد أربعين عامًا من هذا الحادث، وكأني بهذه التجربة قد سبق أن أعلنها القرآن أيضًا في موضع آخر مع عين المشابهة لهذه العينة السلبية التي تعلن عجزها وفلسها أمام مسئوليتها عن الحق، وضرورة الجهاد في سبيله، تلك العينة هي عينة بنى إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: 24) ، فماذا كانت النتيجة؟ كتب الله التيه على الجيل السلبي، ليُخرج من ظهره جيلاً آخر، يستعد لنصرة الحق وحمايته، كانت مدة التيه أربعين عامًا: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة: 26) ، وكأني بجيل الحاضر يتعلم من هذه التجارب أمام هذه الذكريات، فإنه قانون إلهي لا يتخلف.
إذًا عندما يعلن مَنْ نصبوا أنفسهم لحماية الحق فلسفتهم وسلبيتهم، وعدم مسئوليتهم عن الإسلام والمسلمين، فلينتظروا نفس النتيجة: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التوبة: 39)
وهكذا كان أمام اختيار هذا المكان بالذات آيات وآيات، عرضنا منها القليل مما يتسع له هذا المقام.. وفَّق الله المسلمين لما فيه خيرهم وسعادتهم.
avatar
abdel

ذكر
عدد الرسائل : 93
العمر : 36
المدينة الدولة : agadir Maroc
المهنة : entreprenneure
الهواية : cherche sur internet. musique. ..
نقاط : 131
تاريخ التسجيل : 03/05/2010

http://abdelaziz.jeun.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى